محمد أبو زهرة
3826
زهرة التفاسير
وهكذا نرى نبي اللّه يوسف عليه السلام ابتدأ بإثبات معجزته ، ثم نهى عن الشرك ، ووجههم إلى الاقتداء بشخصه ، وقد صاروا له حبيبين ، ثم وازن بين الوحدانية وتعدد الآلهة ، ثم بين لهم إلى أنه لا وجود لما يسمونه آلهة ، وأن الدين القويم الحق الذي يوافق قضية العقل البديهية هو الوحدانية . بعد ذلك اتجه لتأويل رؤياهما ، وقد يقال إن دعوته إلى الوحدانية ، كانت بين اثنين ، ونقول : إن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم ابتدأ دعوته بين زوجه خديجة ، وصديقه أبى بكر ، وعليّ وكان ابن تسع ، ومولاه ، ومكث مستخفيا بالدعوة بضع سنين ، فالعدة لا تكون بكثرة العدد ، ولكن بقوة الإيمان . اتجه إليهما بعد ذلك الإرشاد قائلا : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ وقد كان الأول ساقيا للملك بعد ذلك ، وروى أنه كان من قبل ساقيا ، فاستمر في عمله بعد أن اتهم بأنه دس في الشراب سما ، فتبين بطلان التهمة ، فعاد إلى عمله بعد أن سجن ، والثاني اتهم بأنه دس في الطعام سما ، وثبتت التهمة فقتل وصلب ، واللّه أعلم . مكث في السجن حينا ، وهو يعلم أنه برئ والملك يعلم ذلك ، والنسوة يعلمن ، فأراد أن يذكر الملك بنفسه فطلب ممن ظن أنه ناج أن يخبر الملك بذلك وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي عند الملك ، وسماه ربا مع أن يوسف نبي التوحيد ، من قبيل رب الأسرة بمعنى راعيها ، وحافظها ، فنسى أن يذكر ذلك فمكث نبي اللّه بعد ذلك بضع سنين ، وهذا قوله تعالى : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ . وهنا ملاحظتان تتعلقان بالمنهج البياني القرآني الأولى : قول يوسف لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ، فعبر بالظن ولم يعبر بالعلم ، تأدبا مع اللّه في العلم بالغيب ، فإنه وإن كان يقينا عند يوسف ، ولكن طريقه لا ينتج إلا ظنا .